تابِع @saadbinomar


توفيق شومان كيف نفهم سياسة ” الرفيق ” بوتين ؟

قسم : اخبار | تاريخ الاضافة: الثلاثاء - 30 / 04 / 2019 - 8:10 م || لا يوجد تعليقات » | اخر تحديث: 30 أبريل، 2019

 

 

 

 

 

 

توفيق شومان*

ليس من السهل التسليم  المطلق بما أورده رئيس الوزراء اللبناني الأسبق حسين العويني ، في محاضرة  تحت عنوان ” خواطر سياسي ” ألقاها في ابريل / نيسان من  العام 1955 ، عن حوار دار بين الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في ”  مؤتمر يالطا ـ 1945″ ، حين قال الأول للثاني :” أنا صهيوني من ناحية المبدأ ” ، فرد عليه روزفلت : ” وأنا كذلك”.
هذا الحوار ، وبحسب العويني ، كشفت عنه وثائق وزارة الخارجية الأميركية في السابع عشر من مارس / آذار 1955 ، أي قبل شهر من إلقاء المحاضرة ، مستعيدا بذلك ، المواقف السوفييتية المنزلقة  نحو الإعتراف المبكر  بدولة اسرائيل ، والمتعجلة على غير هدى  قبل ذلك  بتبني قرار تقسيم فلسطين . 
ذاك البوح الذي أسره  ستالين لنظيره الأميركي ، يمكن أن نجد توضيحاته وتفصيلاته في حوار أجرته قناة ” روسيا اليوم ”  بتاريخ  28ـ 12ـ 2013،  مع آناتولي غروميكو  ، نجل  المندوب السوفييتي إلى مجلس الأمن الدولي في العام 1947 ، ووزير  الخارجية السوفييتية بعد حين ، إذ يقول أناتولي غروميكو عن والده :” إنه كان يتعاطف كثيرا مع اليهود  لأنهم  شجعان ،و شاهد  بأم  عينه كيف تمت إبادتهم في الحرب العالمية  الثانية ، كما ان ستالين  كان يعتقد بان الإعتراف  بإسرائيل سيجعلها تتعامل مع موسكو”.
هذه الشهادات تعيد إلى الذاكرة السياسية مسألتين في غاية الأهمية ، الأولى مرتبطة بخطاب اندريه غرميكو  في الرابع عشر  من مايو / أيار 1947، حيث قال : ” إن ممثلي الدول العربية يزعمون إن قرار التقسيم غير  منصف وغير عادل ولكن وجهة النظر العربية  غير منصفة، لأن للشعب  اليهودي حقا وثيقا في فلسطين”، وأما المسألة الثانية فتتمثل بخطاب رئيس مجلس الوزراء  السوفييتي الكسي كوسيغين في الأمم المتحدة في 19 يونيو / حزيران1967 ، أي بعد أيام معدودات من حرب الأيام الستة  ، فيقول : ” لكل شعب الحق في تأسيس دولته الوطنية المستقلة ، وحددنا من هنا بالذات موقفنا من اسرائيل كدولة وصوتنا في العام 1947 إلى جانب قرار هيئة الأمم المتحدة وأقام الإتحاد السوفييتي بعد ذلك علاقاته الدبلوماسية  مع اسرائيل  اهتداء منه بهذا الموقف”.
وهذ الموقف  السوفييتي بالذات ، تصفه ” ب “الغموض ” ، دراسة  استشرافية مبكرة لصلاح الدباغ  بعنوان ” الإتحاد السوفييتي وقضية فلسطين ”  ، صادرة في العام1968 عن مركز” الأبحاث ” الفلسطيني في بيروت ، إذ لا يجد الكاتب مبررا للإتحاد السوفييتي  بعدم الإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية حتى ذلك التاريخ ، بل إن الرئيس ياسر عرفات ، اضطر أن يبقى منتظرا ووحيدا ، لمهلة محددة ، في الطائرة التي أقلته  إلى موسكو بمعية الرئيس جمال عبد الناصر في العام 1968، على أن هذا الموقف السوفييتي نفسه ، يستقدم بدوره  أيضا أربعة مواقف سوفييتية تفيض بالأسئلة  والتساؤلات حيال القضية الفلسطينية :
ـ 1: الأول : حين رفض الإتحاد السوفييتي  مقترحا أميركيا في مارس / آذار 1948 ( يا للغرابة والإستغراب ) بإعادة النظر بقرار تقسيم فلسطين قبل تنفيذه ، فعلل السوفييت رفضهم بأن الولايات المتحدة تعمل على”  تحطيم ” قرار التقسيم لأنها  تقدم مصالحها النفطية على حساب ” التسوية العادلة “، على ما جاء في كتاب  نورهان الشيخ “موقف الإتحاد السوفييتي  وروسيا  من الوحدة العربية “، الصادر عن مركز ” دراسات الوحدة العربية ” في بيروت 2013.
ـ 2: الحملة  السياسية الشعواء التي قادها الإتحاد السوفييتي في مجلس الأمن الدولي في العام 1948 ضد الجيوش العربية التي دخلت فلسطين، واتهامها بممارسة  العمل العدواني ضد اسرائيل ، وذهبت الكتلة السوفييتية  لاحقا ، إلى تزويد الإسرائيليين بالأعتدة والسلاح ، الأمر الذي أدى إلى التوسع الإسرائيلي إلى خارج حدود التقسيم كما ورد في “الموسوعة الفلسطينية” .
ـ 3: إسقاط الإتحاد السوفييتي لمشروعين : مشروع المقاطعة الإقتصادية العربية لإسرائيل بين الأعوام 1953ـ 1956 والذي أجهضه السوفييت  بمعادلة ” النفط السوفييتي مقابل الحمضيات الإسرائيلية “، وإسقاط مشروع الدعوة  لسحب الإعتراف بإسرائيل ،الذي ناقشه مؤتمر تضامن  الشعوب الأفروـ آسيوي ـ  أميركي اللاتيني المنعقد في العاصة الكوبية هافانا في يناير/ كانون الثاني 1966.
ـ 4 : الرهان على القادة الإسرائيليين ذوي النزعة اليسارية ـ الإشتراكية ،وأغلبهم من جذور روسية وبولندية ،مما يحول دون انزياح  اسرائيل نحو المحور الغربي على ما يقول آنا تولي غروميكو .
إن هذه الإستعادة التاريخية لبنى السياسة الخارجية السوفييتية ، حيال الشرق الأوسط وفي مقدمته القضية الفلسطينية ، تدفع نحو  البحث عن متغيرات بين السياسة الخارجية لموسكو في المرحلة السوفييتية  الراحلة وبين سياستها في المرحلة الروسية الراهنة ،وعلى ما تظهر نتائج المقارنة بين مرحلتين مختلفتين ، أن ثباتا ما انفك قائما بين السياستين ، وقد رثه الرئيس فلاديمير بوتين عن أسلافه السوفييت ، وهو يقوم على مجموعة من العوامل أهمها :
ـ  إن موسكو  تعتبر اسرائيل من ثوابت الأمر الواقع ،وبأنها “منتوج شرعي لمطلب تاريخي شرعي “، كما ردد اكثر من مرة وزير الخارجية السوفييتية الأسبق اندريه غروميكو ،وكما قال سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسية  الحالي (“سبوتنيك” 11ـ 2ـ 2019 )، بأن أمن اسرائيل يحظى بالأولوية لدى موسكو . 
وإلى جانب “الثابت الشرعي ” ، ثمة  حرص روسي على عدم الصدام بإسرائيل ، مهما كانت الأسباب ، ففي تاريخ “الإحتكاك ” الناري بين موسكو وتل أبيب أكثر من شاهد وواقعة ، من ضمنها إسقاط الطائرات الحربية الإسرائيلية  لخمس طائرات مقاتلة سوفييتية في الثلاثين  من يوليو / تموز 1970 على الجبهة المصرية ، وقُتل في هذه المواجهة  الطيارون  فلاديمير جورافليف، ونيكولاي يوريتشينكو، ويفغيني ياكوفلييف، على ما ذكرته وكالة “سبوتنيك” الروسية (19 ـ 1ـ 2016) ، فيما مجلة ” الأمن  والدفاع ” تنقل عن المؤرخ  الإسرائيلي شلومو آلوني قوله إن هذه الطائرات أسقطها الإسرائيليون بعد  خطة استدراج محكمة للطائرات السوفييتية ، ومع ذلك لم  تقرع  موسكو النفير ولم تسع إلى المواجهة ، وهذا هو السياق نفسه الذي سارت موسكو عليه إثر إسقاط طائرة ” اليوشن 20 ” في سبتمبر / أيلول  من العام 2018 ، إذ تباينت العلاقات بين تل وأبيب وموسكو وسرعان ما عمل الطرفان على تسوية التباين وإعادة ترتيب العلاقات الثنائية وإلى حدود فاضت بها عملية الترتيب بعناصر جديدة ومستجدة دفعت  الرئيس بوتين  إلى الإسهام بإنجاح بنيامين نتنياهو بالإنتخابات العامة الأخيرة ، من خلال تسليمه رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل ، قبل أربعة أيام من العملية الإنتخابية .
وهذا الحرص الروسي على إعادة إنعاش العلاقة مع اسرائيل بعد كل كبوة أو سقطة ، يمكن التقاط شواهد منه في مجموعة عصية على الحصر في سجل العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية ، ففي العام 1953، انفجرت شحنة ناسفة في مبنى المفوضية السوفييتية في تل أبيب ، فاحتجت موسكو على الأحكام  المخففة بحق المتهمين، فقطعت علاقتها مع إسرائيل  ثم اعادتها في السنة نفسها ،وأثناء العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 ، سحبت موسكو سفيرها من تل أبيب  لتعيده بعد  أشهر ، وفي العام 1957، اعتقلت السلطات السوفييتية  ، الياهو هازان  ،الملحق بالسفارة الإسرائيلية في موسكو بتهمة التجسس ثم أطلقت سراحه ، وهذا ما جرى  مع السكرتير الثاني في السفارة الإسرائيلية  في موسكو أيضا في العام 1966، واعتبرته شخصا غير مرغوب به .
ومن خلال هذه الوقائع والشواهد ، يمكن القول إن تباينا أو تعقيدا في منظومة العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية ، تفترض قراءته كنتوء طارىء على هذه المنظومة  ، وليس مدخلا يؤشر  نحو انعطافة عنها ، فالأركان  العامة للسياسة  الخارجية الروسية في الشرق الأوسط ، لا يرتكز أي منها على اعتبار إسرائيل عدوة ،  ومثلما كانت السياسة السوفييتية غير معنية بإستعادة  الأراضي العربية المحتلة في العام 1967، فالسياسة الروسية الراهنة غير معنية هي أيضا بإستعادة هذه الأراضي ، وإذا كان الخطاب السوفييتي نهض تقليديا على مقولة الأمن والسلم الدوليين ، وبالتالي  عدم الصدام  المباشر  مع الولايات المتحدة ، فإن السياسة الروسية الحالية  لا تخرج عن  السياق القديم  نفسه ، فلا حارب السوفييت مع العرب في حرب الخامس من يونيو /حزيران 1967، ولا  أخذهم  الإنفعال للدفاع عن المقاومة الفلسطينية إبان الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام1982، وفي حين أن الدخول  الروسي المباشر في أتون الأزمة السورية في العام 2015، أنتج تحولا  ميدانيا غير مسبوق في مسارات هذه الأزمة ، فإن موسكو ابتعدت عن الصدام مع الولايات المتحدة ، وحرصت على  تنظيم شبكة المصالح مع كل من تركيا وإسرائيل ، ليبقى البحث عن تنظيم قواعد العلاقة والمصالح مع ايران خاضعا ومفتوحا على ظروفه ومكوناته الخاصة.
وإذ تبدو روسيا في هذه الآونة صديقة لكل الأطراف في المنطقة ، ويجتمع تحت مظلة صداقتها ، أضداد ومتنافرون ، من  تركيا إلى سوريا  ،  ومن إيران  إلى السعودية واسرائيل  ، حيث يتسع قطار الصداقة الروسي للجميع ، فإن السؤال الذي يعقب  هذه الفسيفساء في علاقات روسيا الإقليمية  يتمحور حول قدرة الرئيس فلاديمير بوتين في حياكة هذا النسيج  غير المنسجم بين أصدقائه الإقليميين ؟ .
لعل الإجابة عن هذا السؤال ، تكمن في  إجادة الرئيس بوتين مبدأ “القبض ” على مخاوف أصدقائه ، فإسرائيل تخشى على مصالحها الأمنية العليا ، فيفتح بوتين الطريق لها في سوريا ضربا وقصفا ،  والدولة السورية بحاجة إلى درع دولي للحماية ، فيوفر له الرئيس الروسي هذا الدرع ، وإيران بحاجة الى صديق عابر للقارات للحفاظ على حضور إقليمي يوسع مجالها الأمني والإستراتيجي ، فيتقدم بوتين نحوها صديقا لدودا ،وتركيا التي دخلت علاقاتها منذ حوالي عقد في مرحلة قلقة مع الولايات المتحدة ، وباتت نصف شريك مع واشنطن ، يكمل معها  بوتين نصف الشراكة المفقودة ، والسعودية  المرتابة  من إيران  يقدم لها بوتين مفتاح الطمانينة بتوسيع العلاقات معها  ، وكذلك  يجيد بوتين مراقبة أسهم العلاقات السعودية ـ الأميركية ،  وحركة صعودها وهبوطها ، فيلتقط نبضها وإيقاعها فيمد يده  لتصافح ولي العهد السعودي بحرارة غير منتظرة ، مستغلا عزوف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ذلك  في ظل  تداعيات عاصفة  مقتل الكاتب جمال خاشقجي ،على هامش قمة العشرين في الأرجنتين  في آواخر نوفمبر / تشرين الثاني الماضي .
من هذه الوقائع ، يمكن الوصول إلى محاولة أولية لفهم سياسة الرئيس بوتين في الشرق الأوسط ، فهي امتداد  في بعض وجوهها  لما خطه وصاغه الأسلاف السوفييت لناحية الثوابت في العلاقة مع اسرائيل وضمان أمنها ، ومن ناحية ثانية عدم الإنخراط في الحروب الناشبة  بين دول المنطقة ، و من ناحية ثالثة  تحاشي الصدام المباشر مع الولايات المتحدة  اعتمادا على المبدأ السوفييتي القائل بالحفاظ  على  السلم  والأمن  الدوليين  ،وأما الجديد  والمختلف عن الحقبة  السوفييتية ، فيتمثل بعدم رزوح السياسة الخارجية الروسية لأثقال أيديولوجية ولا لصراع المحاور ، وانتهاج معادلة التعاقد الثنائي بين روسيا وهذه الدولة الإقليمية أو تلك ،وفقا  لقواعد علاقات الصداقة الإستراتيجية  وليس الأحلاف  الإستراتيجية  ، مع الإشارة أخيرا إلى أن قواعد هذه العلاقات خاضعة  لعقيدة براغماتية صرفة ، فهي تلبي المصالح العليا  للدولة  الروسية الطامحة إلى العودة قطبا دوليا ، وتحافظ إلى حد  معقول على المصالح الأمنية العليا لأصدقاء روسيا .

*توفيق شومان

كاتب ومحلل سياسي لبناني


اكتب تعليق