تابِع @saadbinomar


صراع الغاز.. أردوغان يهدد 3 دول.. فهل تشتعل “حرب البوارج” في شرق المتوسط؟!

قسم : قضايا | تاريخ الاضافة: الجمعة - 16 / 11 / 2018 - 4:27 م || لا يوجد تعليقات » | اخر تحديث: 16 نوفمبر، 2018

 

 

 

 

 

عبد العزير الزهراني *

اختار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التصعيد، فأطلق تهديدات جديدة ضد 3 دول دفعة واحدة، ما وضع منطقة شرق المتوسط على حافة صدام كبير، سيزيد من أجواء التوتر ويضعه هو شخصيًّا في مواجهة مباشرة مع قوى عديدة معنية بالاستقرار في “بحر الروم”، كما سماه العرب الفاتحون.

وعاد أردوغان -خلال حفل أقيم مؤخرًا لتدشين مشروع الغواصة “آيدن رئيس”، وتسليم القوات البحرية التركية سفينة الأبحاث الثالثة ضمن مشروع “TCG”، الخاص بالتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط- إلى مهاجمة الدول والشركات التي تنشط لاستغلال مواردها في البحار العميقة، وخاصة مصر واليونان وقبرص.

وبنبرة غاضبة، حذّر أردوغان شركات النفط والغاز الأجنبية من أي عمليات استكشاف وتنقيب قبالة الشواطئ القبرصية. مشددًا على أن بلاده لن تسمح للمحاولات الرامية “لإقصائها عن البحار”، ملمّحًا بذلك إلى اتفاقية لترسيم الحدود البحرية، تم توقيعها والتصديق عليها بين كل من مصر واليونان وقبرص في عام 2013.

وقبل أيام، حدثت مناوشة سريعة بين القوات البحرية اليونانية وسفينة حربية تركية، ما دعا أنقرة إلى إصدار تحذير مباشر، بأنها لن تسمح بتكرار ذلك، منوهة -على لسان وزير دفاعها خلوصي أكار- بأنها “ترغب في حل القضايا المختلف عليها بالطرق السلمية وعبر مباحثات، دون تحولها إلى صراعات”. بينما قال المتحدث باسم الخارجية التركية حامي أقصوي، إن تركيا تتابع عن كثب التصريحات الصادرة من أثينا، حول مخططات توسعة نطاق الحدود البحرية لليونان تدريجيًّا.

سباق الغاز في المتوسط
تعوّل الدول المطلّة على السواحل الشرقية للبحر المتوسط، خاصة مصر واليونان وقبرص، على اكتشافات الغاز الهائلة التي ظهرت خلال السنوات الماضية، ومنها من ترشحه التوقعات العلمية للانضمام إلى نادي كبار منتجي الطاقة في العالم، ومن ثم تغيير المعادلة العالمية على الصعيد الاقتصادي.

وحسب التقديرات الجيولوجية المعلنة، فإن حوض شرق المتوسط يحتضن 122 تريليون قدم مكعب من الغاز قبالة شواطئ قبرص ولبنان وسوريا، وعلى أكثر من 36 تريليون قدم مكعب في مناطق بالقرب من إسرائيل. أما اليونان، فتقدر المسوح الجيولوجية، أن احتياطيات الغاز في بحر إيجه والبحر الأيوني وجنوب جزيرة كريت بـ123.6 تريليون قدم مكعب.

وتعدّ مصر الدولة الأكثر نجاحًا في التنقيب عن الغاز بهذه المنطقة خلال السنوات الماضية، حيث تمكنت -بالتعاون مع عدة شركات عالمية، أبرزها “إيني الإيطالية”- من استكشاف مجموعة من الحقول العملاقة، أبرزها حقل “ظهر”، الذي يقع على مسافة 190 كم من سواحل مدينة بورسعيد (شمال شرق القاهرة)، ويمتدّ لمساحة تصل إلى 100 كيلومتر مربع.

وتقدر احتياطيات الغاز في هذا الحقل بنحو 30 تريليون قدم مكعب، جعلته الأضخم في البحر المتوسط، علمًا بأن الإنتاج التجريبي منه بدأ في منتصف شهر ديسمبر 2017 بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 350 مليون قدم مكعب يوميًّا، قبل أن يصل إلى نحو 1.6 مليار قدم في الأسبوع الأخير من شهر يوليو الماضي، وسط توقعات بأن يرتفع الإنتاج إلى 2.9 مليار قدم من الغاز الطبيعي في منتصف 2019.

ويعني ذلك أن إنتاج حقل ظهر -بمفرده- سيساوي نصف الإنتاج اليومي الإجمالي لدولة قطر (5.8 مليار قدم يوميًّا) التي تحتل المركز الثالث في قائمة المنتجين، ومع إضافة ميزة قرب مصر الجغرافي من أوروبا وإفريقيا، يرى المراقبون أن الاستمرار في هذا الطريق يشكّل خيارًا لا يمكن التراجع عنه، مهما كانت المتغيرات.

وأعطى تطور إنتاج الغاز في البحر المتوسط الباحثين في شؤون الطاقة مؤشرًا جديًّا على دخول مصر -بنهاية العقد الحالي- قائمة كبار منتجي الغاز المسال في العالم، التي توقع آموس ج. هوكستين -منسق شؤون الطاقة الدولية في وزارة الخارجية الأمريكية في إبريل 2016- أن تنضمّ إليها أيضًا قبرص واليونان.

وتعمل قبرص حاليًا على تطوير حقل “أفروديت” الذى يقع على مسافة 180 كلم من الشاطئ الجنوبي الغربي لها، ويضم احتياطيات تقدر بنحو 6 تريليونات قدم مكعب. كما أنها أعلنت -في فبراير الماضي- عن اكتشاف مكمن جديد يشبه حقل “ظهر” المصري، ويقع في منطقة بحرية شمال البلاد .

أما اليونان، التي تعمل بالتعاون مع عدد من الشركات العالمية لاكتشاف مكامن الغاز في عدة مناطق بالبحر المتوسط، فتملك -وفق المسوح الجيولوجية الأمريكية- احتياطيات ضخمة جنوب جزيرة كريت، التي ترتبط بتوتر تاريخي بين أنقرة وأثينا.

تهديدات وردود
طوال السنوات الماضية لا تكفّ الحكومة التركية عن إظهار معارضتها لجهود الاستكشاف والتنقيب في مياه المتوسط، على الرغم من تعاونها الوثيق مع إسرائيل لتنفيذ مشروعات مشتركة لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا (سوق الاستهلاك الرئيس عالميًّا)، بزعم أنها تتنافى مع قوانين أعالي البحار، وتمثل تعديًا على ما تسميها “حقوقها البحرية”، غير أن كثيرًا من المراقبين يرجعون هذا الموقف إلى أسباب سياسية تتصل بالعلاقات غير الودية، التي تربط أنقرة بالدول الثلاث.

وبدأ من نبرة أردوغان -خلال خطابه الأخير- أنه راغب في تصعيد هذه القضية، حتى إنه هدد باستخدام تركيًا لقوتها البحرية في مواجهة من وصفهم بـ”قطاع الطرق الذين يرتكبون خطأ كبيرًا”، ويسعون إلى “إقصاء تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية، وسلب الموارد الطبيعية المتوفرة شرق المتوسط”، حسب قوله.

ويأتي تلويح أردوغان باستخدام القوة، ضمن سلسلة من المواقف التصعيدية، فقبل أيام، ذكرت وكالة “الأناضول” الرسمية التركية، أن “القوات البحرية التركية اعترضت، فرقاطة يونانية تحرشت بسفينة “خيرالدين بربروس” التي تجري أبحاثًا شرقي البحر الأبيض المتوسط، بينما أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية، فاتح دونماز، أن السفينة “ستواصل مهامّها، مؤكدًا أنّ الخطوات أحادية الجانب التي تقوم بها قبرص الرومية غير مقبولة، دون الجلوس على طاولة المفاوضات وتحقيق تقاسم عادل للثروات الباطنية في الجزيرة”. بحسب الوكالة نفسها.

وكان الوزير نفسه قد انتقد توقيع اتفاقيةَ قبرص اتفاقية مع مصر لإنشاء خط لتصدير الغاز الطبيعي، معلنًا أن بلاده ستقوم بأول أعمال التنقيب في البحر المتوسط نهاية هذا العام، باعتبار ذلك “ضرورة وطنية”.

وفي فبراير الماضي، أعلن وزير الخارجية، مولود جاويش أوغلو، أن بلاده تخطط للبدء في أعمال تنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط في المستقبل القريب، معتبرًا أن الاتفاقية المبرمة بين مصر واليونان في هذا النطاق غير قانونية.

وأضاف أوغلو -خلال حوار مع صحيفة “كاثيميريني” اليونانية، أن أحد العناصر الأساسية لسياسة بلاده تجاه الطاقة، هو توسيع نطاق استثمار الموارد المحلية، قائلًا: “إن الاتفاقية المبرمة بين مصر وقبرص اليونانية بخصوص ترسيم الحدود الاقتصادية لا تحمل أي صفة قانونية وفقًا للقوانين الدولية”.

وتابع موضحًا أن “هذا يشمل أيضًا حقول الهيدروكربون (النفط والغاز) المحتملة بمنطقتنا شرقي البحر المتوسط”. مشددًا على أن التنقيب عن هذه المصادر وإجراء دراسات عليها يعد حقًّا سياديًّا لتركيا.

وردًّا على تصريحات الوزير التركي، قالت الخارجية المصرية، إنه “لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونية الاتفاقية، حيث إنها تتسق وقواعد القانون الدولي، وتم إيداعها كاتفاقية دولية في الأمم المتحدة”.

وحذّرت الخارجية المصرية، في بيان رسمي، من أي محاولة للمساس أو الانتقاص من “حقوق مصر السيادية في تلك المنطقة”. مؤكدًا أن القاهرة تعد ذلك “أمرًا مرفوضًا وسيتم التصدي له”.

ولم يكن أردوغان بعيدًا عن هذه الأزمة أيضًا، حيث أكد -أمام اجتماع لنواب الحزب الحاكم- عقد في الفترة نفسها، أن بلاده لن تصمت إزاء ما يتم في مياه المتوسط. وقال إن “المحاولات الانتهازية المتعلقة باستكشاف الغاز قبالة قبرص وجزر بحر إيجة ليست غائبة عن أنظارنا. نحذر من يتجاوزون الحدود بناءً على حسابات خاطئة في قبرص وبحر إيجة.”

الخطوة القادمة
يعتمد خبراء سياسيون على سوابق أردوغان في استخدام التهديدات اللفظية دون أن يتبعها بعمل يوازيها، كمبرر لاستبعاد نشوب حرب في شرق المتوسط، لكنهم يتفقون على أن التصعيد الأخير سيؤدي إلى مزيد من التوتر بين تركيا -من جهة- والدول الثلاث الناشطة في مجال استكشاف الغاز من الجهة الثانية.

ورأى خبراء أن الرئيس التركي يحاول فقط تذكير الشركات العالمية، بما حدث في فبراير الماضي، عندما توجهت سفينة تنقيب تابعة لـ”إيني” لاستكشاف منطقة في المياه القبرصية المتنازع عليها، فاعترضتها بوارج حربية تركية ومنعتها من مواصلة مهمتها، بعدما أبلغ العسكريون الأتراك طاقم السفينة بعدم مواصلة الرحلة، لأن المنطقة ستشهد مناورات عسكرية وفق ما ذكر متحدث باسم الشركة لوكالة “أسوشييتدبرس”.

وفي وقت سابق، قال المحلل لدى “آي إتش إس ماركت”، المتخصصة في تحليل مستجدات أسواق الطاقة، أندرو نيف، إنه “لا يعتقد أن تركيا تريد إثارة مواجهة، لكن لا يمكن -في الوقت نفسه- استبعاد ذلك نهائيًّا”.

وتابع نيف: “إذا توغلت إحدى سفن التنقيب بعيدًا في إحدى المناطق البحرية المتنازع عليها، فربما تلجأ تركيا مجددًا إلى ‘دبلوماسية البوارج الحربية”.

أما إشعال حرب كبرى فيبدو مستبعدًا لأسباب متعددة؛ أبرزها الانشغال التركي بالوضع في سوريا، وحرص القوى الدولية -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- على حفظ الاستقرار في الحوض الشرقي للمتوسط، فضلًا عن فداحة الآثار الاقتصادية التي ستضرّ بالعالم جراء هذا السيناريو، خاصة بالنسبة لروسيا ودول الاتحاد الأوروبي، وكلاهما -كما هو معلوم- لن يسمح للاعب فرد أن يخلط الأوراق أو يقلب طاولة المصالح !

*عبد العزيز الزهراني _ صحيفة عاجل الالكترونية


اكتب تعليق